أمي الغالية .. البعيدة .. التي أشتاق إليها في اليوم مائة مرة ..
اليوم عندما قرأت عن الأم في كثير من المواقع .. استرجعت ما دار بيني وبين أمي على الهاتف بالأمس حين حادثتها.. وكيف كانت قلقة ملهوفة علي كعادتها .. وتسأل عن أحوالي .. وتحدث معها أفراد عائلتي بحب واشتياق .. حقاً لقد شعرت بشوقٍ شديد إلى أمي .. أمي التي كافحت كما كافح وناضل الكثير من الأمهات الفلسطينيات .. فلقد ضحت بالكثير أمي من أجلنا وأجل بلدي فلسطين.

أدت أمي دورها كمدرسة ومربية بإحدى مدارس اللاجئين بالقطاع .. وشعبنا واحد ولا فرق بين لاجئ وغير لاجئ ، إلا أن اللاجئ يتمسك بحقه كلاجئ حتى يظل يحلم بوطنه الذي هجّر منه صغيراً .. ويناضل لاسترجاعه شاباً .. ويربي أولاده على حب الوطن والتضحية والفداء حين تكون له أسرة.
وحين كانت أحوال البلاد صعبة للغاية لم تترد أمي في السفر سنتين إلى إحدى دول الخليج الشقيقة .. لتساهم مع الكثير من أبناء شعبنا في تعليم أبناء أشقائنا في هذا البلد .. ولكي تساهم بشكل أساسي في دعم أسرتها في الوطن كغيرها من أبناء الوطن الذين كانوا يحولون أموالهم لعائلاتهم لدعم اقتصاد بلدنا فلسطين .. ولما عادت أمي كانت تتفانى في تعليم وتربية أبناء وطننا في المدرسة صباحاً .. وتتفانى في تربية وتعليم وتوجيه أبناء أسرتها بالبيت بعد أن تعود من عملها ..
وكما صار مع الكثير من أبناء شعبنا .. ذهب والدي الحبيب في يومٍ لتقديم امتحان في جامعة بيروت بمدينة الإسكندرية بمصر الشقيقة .. ولكنه لم يعد لنا .. لأن ذلك العام كان عام 1967 وكان عام النكسة بحق على أسرتنا وعلى الأمة جمعاء ، وبعد عام .. ولما تبين زيف عروبتنا .. لم يستطع أبي العودة إلى كنف الوطن الغالي .. فالتحقت أمي بوالدي .. لنلتحق بمدارس الإسكندرية أطفالاً .. ونتعلم بجامعاتها شباباً ، وقد وقفت بجانبنا طوال سني دراستنا ، بل وكافحت أمي حتى في تحصيلها للعلم .. فحصلت على ليسانس التاريخ بكلية آداب جامعة الإسكندرية .. وبتشجيع من والدي ، وحقاً .. أحببنا الإسكندرية وتربينا في كنف والدينا بها سنوات طوال ، ومضت السنون .. ولم أستطع العودة إلى وطني .. فعملت بليبيا الشقيقة .. وبالفعل كمصر كنت بين أهلي الذين كانوا مثال الكرم .. وقد صدق الشاعر حين قال :
بلادُ العُربِ أوطاني ** منَ الشّـامِ لبغدانِ
ومن نجدٍ إلى يَمَـنٍ ** إلى مِصـرَ فتطوانِ
فـلا حـدٌّ يـبـاعدُنـا ** ولا ديـنٌ يفــرّقـنــا
لسان الضَّادِ يجمعُنا ** بغـسَّـانٍ وعـدنـانِ
ولما أتيحت لي فرصة العودة لوطني .. كنت كالصغير الذي يرتمي بين أحضان أمه الغائبة .. فوطني لو شغلت بالخلد عنه .. نازعتني إليه بالخلد نفسي ، وحقاً عدت لوطني .. وعجباً فلما عدت لم أكن أمتلك هوية .. فلم أستطع السفر خارج القطاع لرؤية أمي وأبي .. ولما استطعت الحصول على الهوية قامت انتفاضة شعبنا ضد الكيان الغاصب .. وقد استرد شعبنا في هذه الانتفاضة المباركة كرامته وعزته بعد أن أصبح يقارع الغاصب المحتل نداً لند رغم أنه لم تكن لديه دبابة ولا طائرة كغيره من الشعوب الشقيقة المكدسة سلاحها لدى جيوشها .. وبسبب الانتفاضة منع المحتل الغاصب أي زائر لزيارة أهله بالقطاع .. إلا أنني كنت قد حصلت على الهوية وأصبحت أزور أمي في السنة شهراً كاملاً .. بعد أن أعبر في ملحمة جهادية سنوية أنا وأطفالي الصغار من معبر رفح البري الذي يغلق شهوراً ويفتح بضعة أيام ليصبح الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود .. وذلك لأكون فيه إلى جوارها وأنال رضاها الذي لا تبخل به علي هي وأبي ..
وقد قدر الله عز وجل أن تكون أمي مع أبي بالإسكندرية .. وتكون شقيقتي بقاهرة المعز .. وتكون شقيقتي الثانية بالكويت الشقيق .. وأكون أنا بغزة الصمود ..

يا الله !! هلا جمعت بيننا .. وأزلت عنا الحدود التي لم يستطع إزالتها خلقك من البشر .. فتستطيع أمي أن تأتي للوطن الذي لم تبخل عليه يوماً .. لتعيش على أرضه وفي كنف ابنها الذي يتوق للارتماء في أحضانها ولا يألو جهداً في برها والذي لا يرجو بعد رضى الله إلا رضاها ؟؟!!
اللهم أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ .. وأن أعمل صالحاً ترضاه .. وأصلح لي في ذريتي .. وإني تبت إليك وإني من المسلمين.



said:

said:

said:



said:

said:


said:



said:


said:


said:





said:











من المغرب