بادئ ذي بدء .. ما الذي حدث؟
إن ما حدث في قطاع غزة ليؤكد على حقيقة تراجع المشروع الصهيوأمريكي في المنطقة خطوة أخرى للخلف بغض النظر عن السبب والمسبب ،كما ويثبت أن مصير كل من يتآمر على شعبه وقضيته ويتاجر بها مع العدو سيكون حتما في النهاية ذات المصير الذي آل إليه جيش لحد في جنوب لبنان.
فما حدث في غزة من حسمٍ ضد أجهزة أمنية بعينها لا ينكر أحدٌ أنها عاثت في الأرض فساداً حقبةً من الزمن ليشكل سابقةً خطيرة يخشى الحلف الصهيوأمريكي تكراره في الضفة ، وهو بذلك -وبغض النظر عن الطريقة- يمثل مع تداعياته نهاية عملية للهيمنة على القرار الفلسطيني على مدى أكثر من أربعين عاماً ، وفتح لصفحة جديدة من الصراع وفق معادلة جديدة. كما أن حجم الارتباك البادي في محاولة احتواء الإعصار الذي عصف بغزة وأطاح بالمارد الذي كان يجثم على صدرها من قوى أمنية (معروفة) متواطئة مع العدو ضد الشعب الفلسطيني بل وضد مؤسساته الشرعية وفي مقدمتها مؤسسة الرئاسة ، ليدلل على حجم الإنجاز الذي تحقق ، والذي بدأت تباشيره بالظهور للعيان بشكل فوري متمثلة في الأمن ، والقضاء على بؤر الفساد ، وتفكيك الأزمات والمشكلات المزمنة من اختطاف ، وبلطجة ، ومخدرات ، وتبدى واضحاً كما اتضح لنا في غزة في الاختفاء المفاجئ لطائرات الاستطلاع الإسرائيلية من سماء غزة لأول مرة منذ سنين ، إذ تبين أنها كانت توجه من داخل المقرات الأمنية المستولى عليها. وإن ما وقع في الأيدي من أسرار استخباراتية دولية مما تم العثور عليه في المقرات الأمنية ليرقى لمستوى الكارثة على الحلف الصهيوأمريكي ، والوقوع على "كنز" من المعلومات الاستخباراتية يتعدى الأراضي الفلسطينية على حد وصف العدو وأجهزة الاستخبارات الدولية. وإن ما تقدمه اليوم أمريكا و"إسرائيل" من دعم للتيار المتصهين بمؤسسة الرئاسة الفلسطينية ، وانهمار المساعدات الدولية عليهم من كل حدب وصوب لهو الإدانة الحقيقية لهذا التيار ، والوصمة العملية له بالعمالة ، ورصاصة الرحمة التي ستقضي على البقية الباقية من أي مصداقية أو ثقة به وبمشروعه القائم على بيع الأوهام للشعب الفلسطيني ، خصوصا وأن ما يجري اليوم من أحداث ليثبت كل ما اتهم به هذا التيار من قبل.
وإن هذا الحدث الكبير ليضع شرفاء هذا الشعب من كل الفصائل ومن بينهم شرفاء فتح أمام مسئولياتهم التاريخية بإفشال المؤامرة وعزل التيار المتصهين ، ومحاربته لأنه يقامر اليوم بكل القضية وحقوق الشعب وثوابت قضيته ، ومقدسات الأمة التي تتعرض لأشد المخاطر بالتهويد والتدمير.
إن ما جرى ما هو إلا فصل من فصول المعركة المستمرة بين الحق والباطل مصداقاً لقول الله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37)] [سورة الأنفال].
ولكن .. هلا انتبهنا للمخطط الذي يراد لوطننا فلسطين الآن؟

إن العدو الصهوني والطابور الخامس الذي يحكم في غزة اليوم ومعهم التيار المتصهين الذي يحاول السيطرة على مؤسسة الرئاسة يسعون جميعاً وقد توحدت مصالحهم إلى هدفٍ واحد ألا وهو "تقسيم الوطن" : قسم صغير في غزة هاشم منطوٍ على نفسه مغلق من جميع الجهات لا يكاد يرى بصيصاً من النور ، ويتكرمون عليه بقليل من المواد التموينية بين الفينة والأخرى ، وربما سمحوا لعلاج بعض مرضاه عن طريق الصليب الأحمر وغيره من المؤسسات الإنسانية ، وما الاقتراح الخبيث (غزة أولاً وأخيراً) منا ببعيد ، وقسم في الضفة يراد ضمه للأردن لتكوين اتحاد ما ، ليتفتت ما تبقى من فلسطين بين الحدود المصرية والحدود الأردنية ، وليتم تفكيك الفصائل المقاومة للعدو ككتائب الأقصى التابعة لفتح وسرايا القدس التابعة للجهاد الإسلامي وكتائب القسام التابعة لحماس ، ليتحقق الهدف الأسمى لأعدائنا ألا وهو ضياع الأقصى ...
وإن التناحر بين الإخوة مهد الطريق لهذا التقسيم ، وتنفيذ المخطط الذي وقع في براثنه فصيل مهم من فصائل المقاومة الذي كان يعوّل عليه شرفاء هذه الأمة الكثير والكثير رغم كل الإنجازات التي تحققت على يديه ، وقع الجميع في هذا الشرَك الذي نصبه الغرب للشعب الفلسطيني لتدمير مقدراته واستنزاف طاقاته وتهجير أبنائه المعطائين المجاهدين عبر سنوات طوال ، ولم يتوانَوا عن نشر أسوأ صنوف الظلم والفساد في ربوع الوطن طوال تلك السنوات ، وأخيراً أوقعوا الفصيل الذي تبنى نهج المقاومة التي أقضت مضاجع العدو وجعلت شعبنا الأعزل نداً له أوقعوه في الفخ ، فجرّوه لاقتتال دموي بين المسلم وأخيه المسلم في مهزلة ستظل وصمة عار على جبين الشعب الفلسطيني ردحاً غير يسيرٍ من الزمن ، ثم تركوا له الساحة ليواجه وحده الشر المطلق في هذا العالم الظالم.
من يغلُل يأتِ بما غل يوم القيامة ...
قال الله تعالى [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] [من الآية 162 - سورة آل عمران] وقال الله تعالى : [إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ] [ من الآية 58 - سورة الأنفال]
و في صحيح مسلم [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم فذكر الغلول فعظمه و عظم أمره ثم قال لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول : يا رسول الله أغثني فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول : يا رسول الله أغثني فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع يخفق فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك ] أخرج هذا الحديث مسلم.
وقوله : على رقبته رقاع تخفق : أي ثياب و قماش ، وقوله : على رقبته صامت : أي ذهب أو فضة.
فما البال إذا كان ما أخذ هو سيارات آخر طراز وأثاث ومتاع وأسلحة حديثة استولى عليها الكثيرون لبيوتهم ، وهي في الواقع ملك لهذا الشعب الصابر المرابط الذي لا يكاد يجد ما يسد رمقه في هذه الأيام !!
وماذا عن حرمة الدم المسلم؟
الدم الفلسطيني خط أحمر لا يجب الاقتراب منه .. أليس هو دم المرابطين على ثرى الوطن الغالي؟ .. وقد قال الله تعالى : [وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً] [النساء:93].
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم ) رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي.
فكيف يقتل الفلسطيني أخاه المسلم ، ومن ذا الذي يجرؤ على إخراج أخيه من ملة الإسلام حتى يبيح إراقة دمه ، ومهما كانت مظاهر الفساد هنا أو هناك فلن تكون بأي حال من الأحوال مبرراً لإراقة المسلم لدم أخيه المسلم على أرض فلسطين الطاهرة ، ومن ذا الذي يجرؤ قيد أنملة على إصدار فتوى بإراقة دم المسلم لأخيه المسلم بعد قول الله تعالى وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
ومجرد قولة لا إله إلا الله فإنها تعصم بها دم قائلها شاء من شاء وأبى من أبى ، فما البال إذا كان مسلماً من الأصل ، وذات يوم تلقى أسامة بن زيد رضي الله عنه من رسول الله درسًا لا ينساه أبدًا، يقول أسامة: بعثنا رسول الله ( إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله فكف الأنصاري فطعنته برمح حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي ( فقال: يا أسامة أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ قلت كان متعوذًا، فما زال يكررها الرسول حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. ثم قال أسامة للرسول: ( إني أعُطى الله عهدًا، ألا أقتل رجلا يقول: لا إله إلا الله أبدًا)، فقال النبي: (بعدى يا أسامة؟) قال: بعدك. [متفق عليه]. وأرجو الرجوع إلى موضوع (حرمة دم المسلم).
وهل المسلم الذي يُقتل من أخيه المسلم في فلسطين يعتبر من قبل قاتله أشد كفراً من كفار مكة الذين عادوا الرسول صلى الله عليه وسلم؟ بالطبع لا. فكيف عامل الرسول صلى الله عليه وسلم كفار مكة عند دخوله مكة فاتحاً منتصراً؟ هل أراق قطرة دم واحدة؟ أم عفا عنهم وهم الكفار الذين عادوه أشد العداء ، أليس لأنهم أهله وبنو وطنه؟ فكيف بنا وأهلنا وبنو وطننا هم من المسلمين!! مهما اختلفوا فيما بينهم ، ومهما طغى بعضهم على بعض ، ومهما أثار قلة منهم الفساد ، فإنهم في نهاية الأمر مسلمون ، لا يكون عقابهم بنفس طريقتهم مع مجاهدي وشرفاء شعبنا بالقتل والتنكيل والتشهير. قال تعالى : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)] [سورة المائدة].
فإما حياة تسرُّ الصديق ...
وإما مماتٌ يغيظ العِدا ...
كتب المفكر الكبير فهمي هويدي مقالة بعنوان (محاولة لفهم ما جرى في غزة) كان من المفترض أن تنشر في جريدة الأهرام في عددها الصادر الثلاثاء الموافق 19/6/2007 إلا أنها منعت من النشر دون سبب واضح ..
وهذه هى المقالة :
محاولة لفهم ما جرى في غزة
هل الذي حدث في غزة انقلاب أم أنه إجهاض لانقلاب؟ هذا السؤال ألح علي بشدة حين تجمعت لدي مجموعة من الشهادات والوثائق المهمة ذات الصلة بالموضوع.
وها أنا أضع خلاصاتها وبعض نصوصها بين يديك كي تشاركني التفكير في الإجابة على السؤال ..
مؤامرة لتفجير الأوضاع في غزة :
يوم الخميس الماضي 14/6 نشرت صحيفة "يونجافليت" الألمانية تقريراً لمعلقها السياسي فولف راينهارت قال فيه أن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش خططت منذ فترة طويلة لتفجير الأوضاع الداخلية الفلسطينية وتحريض تيار موال لها داخل فتح على القيام بتصفيات جسدية للقادة العسكريين في حركة حماس.
وقد تحدث في هذا الموضوع صراحة الجنرال "كيث دايتون" مسؤول الاتصال العسكري الأمريكي المقيم في تل أبيب في جلسة استماع عقدتها في أواخر مايو الماضي لجنة الشرق الأوسط بالكونجرس الأمريكي.
وفي شهادته ذكر الجنرال دايتون بأن للولايات المتحدة تأثيراً قوياً على كافة تيارات حركة فتح وأن الأوضاع ستنفجر قريباً في قطاع غزة وستكون عنيفة وبلا رحمة.
وقال أن وزارة الدفاع الأمريكية والمخابرات المركزية ألقتا بكل ما تملكان من ثقل في جانب حلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل داخل حركة فتح.
كما أن تعبئة الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة لرئيس السلطة الفلسطينية ضد حماس يمثل خياراً إستراتيجياً للإدارة الأمريكية الحالية.
وهو ما يفسر أن الكونجرس لم يتردد في اعتماد مبلغ 59 مليون يورو لتدريب الحرس الرئاسي في بعض دول الجوار وإعداده لخوض مواجهة عسكرية ضد حركة حماس.
أضاف المعلق السياسي للصحيفة الألمانية أن التيار الأمريكي الإسرائيلي داخل فتح لم ينجح رغم كل الدعم السخي الذي قدم إليه في كسر شوكة حماس.
وهو ما دفع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية إلى استدعاء خبرتها السابقة في جمهورية السلفادور وتوجيهها للعناصر الفتحاوية المرتبطة بها لتشكيل فرق الموت لاغتيال قادة وكوادر حماس وتحدث راينهارت في هذه النقطة عن خيوط كثيرة تربط بين فرق الموت والحرس الرئاسي الفلسطيني والمستشار الأمني النائب محمد دحلان ونسب إلى خبيرة التخطيط السياسي بالجامعات الإسرائيلية "د.هيجا ياو مجارتن" قولها أن دحلان مكلف من وكالة المخابرات المركزية وأجهزة أمريكية أخرى بتنفيذ مهمة محددة هي تصفية أي مجموعات مقاومة لإسرائيل داخل وخارج حركة حماس.
رسالة من هنية إلى عباس :
في 10 يناير الماضي وجه رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية رسالة إلى رئيس السلطة أبو مازن نصها كما يلي:
((نهديكم أطيب التحيات ونسأل الله لكم التوفيق والسداد.
لقد توافرت لنا بعض المعلومات في الآونة الأخيرة تشير إلى خطة أمنية تهدف إلى الانقلاب على الحكومة والخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني.
ويمكن إيجاز هذه المعلومات في النقاط التالية :
- إدخال كميات ضخمة جداً من السلاح لصالح حرس الرئاسة من بعض الجهات الخارجية بمعرفة ومباركة من أمريكا وإسرائيل.
- تشكيل قوات خاصة من الأمن الوطني تقدر بالآلاف لمواجهة الحكومة الفلسطينية والقوة التنفيذية واعتماد "مقر أنصار في غزة" مقراً مركزياً لها.
- تجهيز هذه القوات بالسيارات والدروع والسلاح والذخيرة وصرف الرواتب كاملة للموالين.
- تعقد اجتماعات أمنية حساسة لعدد من ضباط الأمن الفلسطيني في مقر السفارة الأمريكية حيث تناقش فيها خطط العمل.
- البدء بإجراءات إقالة لعدد من الضباط واستبدالهم بشخصيات أخرى مع العلم أن لجنة الضباط هي المختصة بهذه الشؤون كذلك تعيين النائب محمد دحلان من طرفكم شفاهيةً كقائد عام للأجهزة الأمنية وفي ذلك مخالفة قانونية.
- تهديد الوزراء ورؤساء البلديات بالقتل حيث تم الاعتداء على الوزير وصفي قبها وزير الأسرى وإعلامه عبر مرافقه أن الاعتداء القادم سيقتله.
وكذلك تم تكليف أحد مليارديريي فتح من غزة بتصفية الوزير عبد الرحمن زيدان - وزير الأشغال والإسكان مقابل 30 ألف دولار.
الأخ الرئيس: بناء على ما سبق وغيره الكثير من المعلومات التي نمتلكها فإننا نعبر عن بالغ أسفنا إزاء ما ورد حيث أن ذلك يهدد النظام السياسي الفلسطيني والنسيج الوطني والاجتماعي ويعرض القضية برمتها للخطر.
نرجو منكم اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لحماية شعبنا وقضيتنا ونحن سنظل أوفياء وحريصين على وحدة الشعب ولحمته - واقبلوا وافر التحية ))
في الوقت الذي أرسل فيه السيد إسماعيل هنية هذا الخطاب إلى أبو مازن كانت أمامه معلومات محددة حول بعض تفصيلات الإعداد للخطة الأمنية التي منها على سبيل المثال:
- تعيين محمد دحلان قائداً عاماً للأجهزة الأمنية.
- اختيار 15 ألف عنصر من ا
- إقالة 185 من ضباط الأمن الوطني لتنقية صفوف الجهاز من غير الموثوق في موالاتهم.
إلى جانب هذه المعلومات كانت هناك مذكرة بخط الفريق عبد الرازق المجايدة (منسق الأجهزة الأمنية) كتبت على ورقة تحمل ختم ديوان الرئاسة تحدثت عن مطالب موجهة إلى الأجهزة الأمنية وخاصة الأمن الوطني تضمنت سبعة بنود من بينها وضع خطة العمليات وفرز الـ15 ألف عنصر المرشحين للقوة الجديدة وحصر كميات الأسلحة والذخائر المتوفرة.
في هذا الجو المسكون بالشكوك والهواجس أصدرت وزارة الداخلية تصريحاً صحافياً في 6/2 الماضي أعربت فيه عن استنكارها وإدانتها للطريقة التي يتم من خلالها إدخال السيارات والمعدات اللوجستية من المعابر الحدودية بصورة سرية وبتعتيم مريب على نحو يتم فيه تجاوز الحكومة ووزارتها المختصة.
وذكر البيان أن وزارة الداخلية تحمل الجهات التي تقف وراء هذه العملية كامل المسؤولية عن أية تداعيات تنجم عن هذا الأسلوب المرفوض وطنيا وقانونياً.
اتصالات بين فتح والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية :
يوم 6/6 نشرت صحيفة "هاآرتس" أن جهات في حركة فتح توجهت أخيراً إلى المؤسسة الأمنية في إسرائيل طالبة السماح للحركة بإدخال كميات كبيرة من العتاد العسكري والذخيرة من إحدى دول الجوار إلى غزة لمساعدة الحركة في معركتها ضد حركة حماس.
وأضافت الصحيفة أن قائمة الأسلحة والوسائل القتالية تشمل عشرات الآليات المصفحة والمئات من القذائف المضادة للدبابات من نوع "آر. بي.جي" وآلاف القنابل اليدوية وملايين الرصاصات.
كما ذكرت أن مسؤولي فتح تقدموا بطلباتهم في لقاءات مباشرة مع مسؤولين إسرائيليين كما أن المنسق الأمني الأمريكي الخاص في المناطق الفلسطينية المحتلة الجنرال كيث دايتون نقل طلباً مماثلاً إلى إسرائيل.
أضافت الصحيفة أن إسرائيل سمحت لفتح في السابق بتلقي كميات من الأسلحة شملت 2500 بندقية وملايين الرصاصات.
وقد تقرر إدخال الآليات المصفحة التي لا تعتبر سلاحاً يشكل خطراً على الدولة العبرية لكنها استبعدت الموافقة على طلب تلقي قذائف صاروخية لخشيتها في أن تقع بيد حماس.
نقلت الصحيفة عن الرئيس أبو مازن قوله في أحاديث مغلقة أن أمله خاب من رفض إسرائيل السماح بإدخال الأسلحة المطلوبة لفتح وأضافت أن ثمة خلافاً في الرأي داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بخصوص الموضوع خصوصاً أن غالبية خبراء جهاز الأمن العام (شاباك) ومكتب تنسيق شؤون الاحتلال يعتقدون أن فتح ضعيفة للغاية في القطاع وقد تنهار في المواجهة مع حماس رغم الجهد الذي يبذله النائب محمد دحلان لتشكيل وتعزيز قوة مسلحة جديدة لفتح تسمى القوة التنفيذية رداً على تنفيذية حماس.
في 13/6 ذكرت صحيفة معاريف نقلاً عن مصادر في الأجهزة الأمنية أن سقوط مواقع الأمن التابعة للسلطة في أيدي حماس يدلل على خطأ الرأي القائل بوجوب تقديم الدعم العسكري لحركة فتح لأن ذلك السلاح سيعد غنيمة تقع بأيدي حماس وهو الرأي الذي تبناه "أفرايم سنيه" نائب وزير الدفاع الذي طالما ضغط على وزير الدفاع للسماح لفتح بتلقي رشاشات ثقيلة لتعزيز موقفها في مواجهة حماس.
وأضافت معاريف أن جميع قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية يرغبون في انتصار فتح إلا أنهم يرون أنه من الخطأ عدم التحوط لنتائج انتصار حماس.
خطة عمل أمريكية لإسقاط حماس :
يوم الجمعة 15/6 وهو اليوم التالي مباشرة لاستيلاء حماس على مواقع الأجهزة الأمنية في غزة ذكرت النسخة العبرية لموقع هاآرتس على موقعها على شبكة الإنترنت أن كلا من الإدارة الأمريكية والرئيس الفلسطيني محمود عباس اتفقا على خطة عمل محددة لإسقاط حكم حماس عن طريق إيجاد الظروف التي تدفع الجمهور الفلسطيني في قطاع غزة لثورة ضد الحركة.
وأشارت الصحيفة إلى أن خطة العمل التي تم التوصل إليها بين "الجانبين" تضمنت الخطوات الآتية:
1- حل حكومة الوحدة وإعلان حالة الطوارئ لنزع الشرعية عن كل مؤسسات الحكم التي تسيطر عليها حماس حالياً في قطاع غزة
2- فصل غزة عن الضفة الغربية والتعامل مع القطاع كمشكلة منفردة بحيث تقوم الإدارة الأمريكية وعباس بالتشاور مع إسرائيل والقوى الإقليمية والاتحاد الأوروبي لعلاج هذه المشكلة ولا تستبعد الخطة أن يتم إرسال قوات دولية إلى القطاع.
3- تقوم إسرائيل بالإفراج عن عوائد الضرائب وتحويلها إلى عباس الذي يتولى استثمارها في زيادة "رفاهية" الفلسطينيين في الضفة إلى جانب محاولة الولايات المتحدة إقناع إسرائيل بتحسين ظروف الأهالي في الضفة لكي يشعر الفلسطينيون في قطاع غزة بأن أوضاعهم لم تزدد إلا سوءًا في ظل سيطرة حركة حماس على القطاع الأمر الذي يزيد من فرصة تململ الجمهور الفلسطيني في القطاع ضد حماس وبالتالي التمرد عليها.
4- اتفق عباس والإدارة الأمريكية على وجوب شن حملات اعتقال ضد نشطاء حماس في الضفة الغربية من أجل ضمان عدم نقل ما جرى في القطاع إلى الضفة.
5- إحياء المسار التفاوضي بين إسرائيل والحكومة التي سيعينها عباس في أعقاب قراره حل حكومة الوحدة الوطنية.
أشارت الصحيفة إلى أن أبو مازن حرص على إطلاع مصر والأردن على القرارات التي توصل إليها قبل إعلانها مشيرة إلى أن أبو مازن طالب الدولتين بتأييد قراراته وقطع أي اتصال مع حكومة حماس في القطاع.
في الوقت ذاته خرج كبار المسؤولين في إسرائيل عن طورهم وهم يشيدون بقرار أبو مازن حل الحكومة وإعلانه الطوارئ.
فقال وزير الحرب الإسرائيلي عمير بيرتس وزير الحرب -قبل تعيين باراك مكانه- أن ذلك القرار ساهم في تقليص الآثار السلبية جداً لسيطرة حماس على القطاع واعتبر أن الخطوة تمثل مصلحة إستراتيجية عليا لإسرائيل.
من ناحية أخرى ذكرت صحيفة "معاريف" في عدد الجمعة 15/6 أنه في ظل قرار أبو مازن حل حكومة الوحدة الوطنية فإن إسرائيل تدرس بإيجابية إمكانية الإفراج عن مستحقات الضرائب التي تحتجزها لكي تحولها إلى الحكومة الجديدة.
وأشارت الصحيفة إلى أن إسرائيل قد تعلن عن قطاع غزة ككيان عدو ومن غير المستبعد أن يتم قطع الكهرباء والماء عن القطاع خصوصاً إذا استمر إطلاق الصواريخ منه.
رهان إسرائيلي على تعاون العرب :
على صعيد آخر قالت إسرائيل إنها تراهن بقوة على تعاون الدول العربية ورئاسة السلطة الفلسطينية معها في عدم السماح لحركة حماس بترجمة إنجازاتها العسكرية إلى مكاسب سياسية معتبرة أن التطورات الأخيرة تحمل في طياتها تحولات إقليمية بالغة الخطورة على إسرائيل.
وقال الجنرال عاموس جلعاد مدير الدائرة السياسية الأمنية في وزارة الدفاع الإسرائيلية والمسؤول عن بلورة السياسة الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية وقطاع غزة أن إسرائيل تحتاج أكثر من أي وقت مضى لمساعدة الدول العربية في مواصلة خنق حركة حماس سيما بعد إنجازها السيطرة على كامل قطاع غزة معتبراً أنه في حال لم يتم نزع الشرعية عن وجود حركة حماس في الحكم فإن هذا سيكون له تداعيات سلبية جداً على إسرائيل.
وفي مقابلة مع الإذاعة الإسرائيلية باللغة العبرية ظهر الجمعة 15/6 عدد جلعاد مطالب إسرائيل من الدول العربية بشأن إحكام الخناق على حركة حماس معتبراً أن الدول العربية "المعتدلة" مطالبة بنزع أي شرعية عربية أو دولية عن حكومة الوحدة الوطنية وعدم إجراء أي اتصالات معها وأن الحصار العربي لحكومة الوحدة الوطنية هو مطلب أساسي وحيوي لنجاح الحصار على الحكومة الفلسطينية.
وحذر جلعاد من أنه في حال لم تقدم الدول العربية على هذه الخطوة فإن الكثير من دول العالم ستعترف بوجود حماس في الحكم وستستأنف ضخ المساعدات للفلسطينيين.
أضاف الرجل أن أبو مازن أصبح مهماً للغاية لإسرائيل الآن إذ هو وحده الذي يستطيع تقليص الآثار السلبية لسيطرة حماس على غزة.
غير أن بنيامين إليعازر وزير البنى التحتية قال في تصريحات للإذاعة أن على إسرائيل أن تتحوط للوضع الدراماتيكي الجديد بكل حذر.
وشدد على وجوب بذل كل جهد ممكن لإقناع الدول العربية بالوقوف إلى جانبها في حربها ضد حماس.
في ذات الوقت أشار عوديد جرانوت معلق الشؤون العربية في القناة الأولى للتلفزيون الإسرائيلي ظهر الجمعة إلى أن قرار أبو مازن حل حكومة الوحدة الوطنية يمثل مصلحة لإسرائيل من حيث أنه يعني إسدال الستار على اتفاق مكة.
هل فهمت ما فهمته أنا؟
إنهم يتلاعبون بالشرعية الفلسطينية
(للمفكر الكبير فهمي هويدي)
وتضيف الإعلامية اللامعة عبير : في مقال له بعنوان إنهم يتلاعبون بالشرعية الفلسطينية يقول الكاتب فهمي هويدي :
أما وقد أصبح الجميع يتحدثون عن الشرعية الفلسطينية، فإن ذلك يغدو مبرراً لتحرير المسألة وتقصي حقيقتها.. ذلك أننا تعلمنا من دراسة الفقه الدستوري أن للشرعية ركنين، أولهما قبول الأغلبية التي تعبِّر عن رأيها من خلال الانتخاب الحر، وثانيهما احترام الدستور والقانون. وبهذا المفهوم، فان الشرعية الفلسطينية تصبح حاصل جمع رئيس السلطة المنتخب، ورئيس الحكومة التي تمثل الأغلبية، والمجلس التشريعي المنتخب، وهو ما يعني أن اختزال الشرعية في رئاسة السلطة دون غيره يعد خطأ محضاً، وربما كان حقاً أريد به باطل. رئيس السلطة له شرعيته لا ريبَ، ولكنه يظل جزءاً من الشرعية وليس كلا لها. وحصر الشرعية فيه وحده، لسحب الشرعية عن الحكومة والمجلس التشريعي هو من قبيل التغليط والباطل الذي يُرَادُ الترويج له. بسبب من ذلك فإننا حين نتطرق إلي المسألة الشرعية فينبغي أن يظل حاضراً في الأذهان أن لها ثلاثة أعمدة، وليس لواحد فيها أن يهدم أو يلغي شرعية العمودين الآخرين.
الركن الآخر في الشرعية المتمثل في احترام الدستور والقانون شابَهُ لبس كبير، ويتطلب وقفة أطولَ. لكن قبل أن أتحدث عن هذا الجانب ألفت الانتباه إلى مسألة شكلية ذات مغزى. ذلك أن الطريق التي تمت بها صياغة المراسيم الرئاسية التي صدرت تباعاً في الآونة الأخيرة تبعث على الدهشة حقاً. فرئيس السلطة صدق نفسه وتصرف كأنه رئيس حقيقي في دولة مستقلة، وليس مجرد موظف كبير في نظام خاضع للاحتلال. كما أن صياغة تلك المراسيم استخدمت لغة غامضة، اندثرت في أدبيات الخطاب السياسي والقانوني. من ناحية لأن الرئيس عباس في مراسيمه أحال إلى «الصلاحيات المخولة لنا». ولم يشر إلى طبيعة تلك الصلاحيات ومرجعيتها، لسبب جوهري هو انه ليس في القانون الأساسي (الدستور) أية نصوص يمكن الاستناد إليها فيما ذهب إليه. وحتى مصطلح تحقيق المصلحة العامة لا قيمة له من الناحية القانونية، لأنه مطاط ولا حدود له، ثم انه يرهن مستقبل المجتمع لتقدير المسؤول ومزاجه الخاص. وكان ملاحظاً في صياغة تلك المراسيم، أنها استخدمت عبارة « رسمياً بما هو آت »، وتلك لغة تعبر عن انتفاخ لا مبرر له في قاموس الصياغة السياسية والوطنية، منذ اكثر من مائة عام في الأقل.
إذا انتقلنا من الشكل إلى الموضوع، فان الإجراء الدستوري الوحيد الذي اتخذه رئيس السلطة الفلسطينية هو إقالة الحكومة، وهو الحق الذي مارسه طبقاً للمادة 45 من القانون الأساسي، أما كل ما تلا ذلك من مراسيم، فإنها لا تستند إلى أية مرجعية دستورية أو قانونية. وفي ظل أي نظام قانوني وسلطة قضائية مستقلة، فان هذه المراسيم يمكن الطعن فيها وإبطال مفعولها. وحتى نكون أكثر دقة، فربما استثنينا مرسومه بإعلان حالة الطوارئ، لأن ذلك من حقه دستورياً «عند وجود تهديد للأمن القومي بسبب حرب أو غزو أو عصيان مسلح أو حدوث كارثة طبيعية»، هذا إذا افترضنا أن ما جرى في غزة يمثل تطوراً ينطبق عليه أحد تلك العناوين. ومع ذلك، فنص المادة 110 من الدستور تشترط أن تتحدد مدة الطوارئ التي يعلنها رئيس السلطة في ثلاثين يوماً، يجوز تمديدها ثلاثين يوماً أخرى بعد موافقة ثلثي أعضاء المجلس التشريعي (وهو ما يلتزم به الرئيس أبو مازن). (لقد نص المرسوم الذي أصدره رئيس السلطة في 14/6 على تشكيل حكومة مكلفة بتنفيذ أنظمة وتعليمات حالة الطوارئ)، وتزاول هذه الحكومة مهمتها بعد تأدية اليمين القانونية أمام رئيس السلطة
أولا: لأنه ليس من حق رئيس السلطة تشكيل حكومة جديدة من جانبه، وطبقاً للدستور، فان حق الرئيس في إقالة الحكومة لا يمنحه أية صلاحية لتشكيل حكومة جديدة من تلقاء نفسه، وإنما يؤكد الدستور مسؤولية الحكومة المنتهية ولايتها في القيام بعملها لتسيير الأعمال التنفيذية، إلى حين تشكيل حكومة جديدة، يمنحها المجلس التشريعي ثقته.
ثانيا: لأنه لا يوجد في الدستور أو القانون الفلسطيني شيء يمكن تسميته بحكومة إنفاذ الطوارئ، وليست هناك أية إشارة إلى ما سمي أنظمة وتعليمات حالة الطوارئ، وإنما هذه المسميات الجديدة من اختراع
«فقهاء السلطان» الذين يطلق عليهم في مصر «ترزية القوانين»، الذين يقومون بتفصيل النصوص القانونية على النحو الذي يستجيب للهوى السياسي، بصرف النظر عن الأصول والمبادئ الواجب الالتزام بها في التقنين. وللعلم، فان نص المادة 114 من القانون الأساسي ينص صراحة على إلغاء جميع الأحكام التي تنظم حالات الطوارئ المعمول بها في فلسطين قبل نفاذ القانون الأساسي، بما في ذلك جميع أحكام أنظمة الدفاع (الطوارئ) الانتدابية لعام 1945
ثالثاً: لأنه في غياب أية مرجعية قانونية لما سمي أنظمة وتعليمات الطوارئ، فلا مفر من الاعتراف بان البديل في هذه الحالة هو أن يقوم رئيس السلطة بإصدارها، ثم تقوم الحكومة المذكورة بتنفيذها، وهو ما يثير سؤالاً آخر هو: هل يعقل من الناحية الدستورية والقانونية أن يقوم رئيس السلطة الوطنية بإصدار أنظمة تكلف الحكومة بإصدارها، أم أن الحكومة التي تشكل وفقاً لأحكام بإصدار الأنظمة واللوائح، وهو ما تقضي به المادة 70 من الدستور.
رابعاً: لأن ابتكار صلاحيات دستورية إضافية لرئيس السلطة الفلسطينية، من خلال مرسوم رئاسي بتشكيل حكومة بمسمى إنفاذ أحكام الطوارئ، يعد مخالفاً لأحكام نص المادة 38 من القانون الأساسي، التي أكدت الصلاحيات الدستورية الحصرية لرئيس السلطة الوطنية، حين نصت على انه: يمارس رئيس السلطة الوطنية مهامه التنفيذية على الوجه المبين في هذا القانون.
لا يفوتنا في هذا الصدد أن نذكر أن ابتكار صلاحيات دستورية إضافية لرئيس السلطة الوطنية من خلال المرسوم المذكور، وعلى نحو مخالف لأحكام ونصوص القانون الأساسي يعد مخالفاً لجوهر ومضمون القسم الدستوري لرئيس السلطة، الذي ألزم نفسه بمقتضاه باحترام النظام الدستوري والقانوني. وفي ذلك الوقت، فإن نص الدستور على أن رئيس الوزراء وأعضاء حكومته يرددون ذلك القسم، يعني أن أية حكومة جديدة تشكل بخلاف الأصول الدستورية المتفق عليها تكون قد خرقت القانون الأساسي الفلسطيني واعتدت عليه في لحظة أداء القسم.
ذلك كله في كفة، والمرسوم الذي أصدره أبو مازن لاحقا في (15/6) بتعليق بعض أحكام الدستور في كفة أخرى، ذلك أن أي معنيٍّ بالشأن القانوني أو حتى بالعمل السياسي الرشيد حين يطلع على ذلك المرسوم، سوف يدرك على الفور انه يمثل سابقة هي الآخر في نوعها بتاريخ العمل التشريعي في عهد السلطة الوطنية، ذلك انه كفيل بان يؤدي إلى انهيار النظام الدستوري وإهدار قيمة القانون في فلسطين. ولعلها المرة الأولى التي ستوثق فيها الجريدة الرسمية (الوقائع الفلسطينية) من خلال المرسوم المذكور ـ وللأجيال القادمة، أن رئيس السلطة الوطنية سجل انعطافاً خطيراً في مسيرة التجربة الديمقراطية التي قدرها الجميع في فلسطين، فتجرأ على القانون الأساسي، وهو التشريع الأسمى، بما يحمل في طياته من قيم ومبادئ وأحكام دستورية سامية، ومن ثم رسم طريق النهاية لمستقبل الديمقراطية وال
ولان ديباجة المرسوم أشارت إلى أحكام الباب السابع من القانون الأساسي، التي نصت على انه: لا يجوز حل المجلس التشريعي الفلسطيني أو تعطيله خلال فترة حالة الطوارئ أو تعطيل أحكام هذا الباب، فأغلب الظن أن فقهاء السلطان سوّغوا هذه الخطوة بواحدة من الحيل التي يجيدونها. ذلك انه إذا كان النص الدستوري المشار إليه يقول انه لا يجوز تعليق أحكام الباب السابع خلال فترة الطوارئ، فان مفهوم مخالفة النص يعني انه يجوز تعليق جميع أبواب القانون الأساسي باستثناء أحكام الباب السابع، وهو ذات المنطق الذي روج له بعض ترزية القوانين ذاتهم، الذين أفتوا بأنه إذا كان نص الدستور يقضي بأنه لا يجوز حل المجلس التشريعي الفلسطيني خلال فترة الطوارئ، فإن مفهوم المخالفة يعني انه يجوز حل المجلس التشريعي في الظروف والأحوال العادية!
السؤال المهم الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: مَنْ الذي أعطى رئيس السلطة الوطنية الصلاحية الدستورية التي تسمح له بأن يعلق مواد القانون الأساسي، علماً بأنه ليس في نصوص الدستور ما يخوله ذلك الحق من أي باب، كما أن صلاحياته المذكورة في الدستور واردة على سبيل الحصر، وليست بينها ثغرة يمكن النفاذ منها للانقلاب على الدستور على النحو الذي تم.
خطورة هذه الخطوة التي تسمح لرئيس السلطة بان يعلق بعض مواد الدستور، أنها تفتح الباب واسعاً لتعليق مواد أخرى، الأمر الذي يفقده قيمته واحترامه، ويحوله في نهاية المطاف إلى لعبة يمكن العبث بها في أي وقت، وتلك من آيات انهيار النظام الدستوري والقانوني، بل من علامات الانقلاب على الدستور، لأنه إذا كانت يد رئيس السلطة ملتزمة بأية مرجعية أو إطار قانوني، فان الأمر كله يصبح مرهوناً بإرادته وحساباته، فضلاً عن انه يغلق تماماً باب الحديث عن الشرعية.
ذلك كله أمر غريب ومدهش لا ريب، لكن الأشد غرابة منه أن تستقبل تلك الخطى الموغلة في العدوان على الدستور والقانون، بحفاوة من جانب الأغلبية الساحقة من الديمقراطيات الغربية، الأمر الذي يكشف لنا عن وجه آخر في السياسة الدولية، شديد القبح والكآبة، إذ نرى في هذا الوجه المبادئ والتضحية بها، في مقابل المصالح والمنافع. ونرى فيه حماساً شديداً لإهدار قيمة القانون والدستور والإطاحة بهما، ومن ثم العبث بالشرعية طالما أنها تنتهي بحصار المقاومة وضربها، وتعزيز موقف إسرائيل واستعلائها ـ وا أسفاه.









said:
said:

said:

said:
said:












من المغرب